رأي

سيناريوهات للتعامل مع فيروس كورونا.. مخاطر ونتائج

بقلم/ د. جيريمي يونج

ملخص تقرير “امبيريال كوليدج” الذي أجبر الولايات المتحدة وبريطانيا على تبني تغيير سريع في استراتيجيتهما لمواجهة فيروس كورونا

هذه الدراسة مصممة بحيث يمكن تطبيقها على كل الدول بحسب امكانياتها، عدد السكان، ومستوى انتشار العدوى. أيضا الدراسة تمت بلغة علمية بحتة، وبالتالي اعتذر مسبقا عن اللغة القاسية عن الأعداد الضخمة للوفيات بين البشر والتعامل معهم كأرقام احصائية بشكل قد يبدو للبعض غير إنساني، لكن هذا كان ضروريا للوصول للنتائج الرائعة في اخر التقرير.

أصبح الآن تقرير “امبيريال كوليدج” (كلية تحظى باحترام كبير في بريطانيا) حول كوفيد-19 متاحا، وهو تقرير أدى الى اتخاذ الاجراءات المشددة التي شاهدناها هذا الإسبوع في الولايات المتحدة (وبريطانيا). سأعرض ملخصا للتقرير كما يلي:

قام فريق امبيريال كوليدج بتغذية سوفت وير بحثي معروف لقياس مدى انتشار الأوبئة بنسب الإصابات بفيروس كورونا في كل من الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا وأجرى محاكاة لتوقع النتائج الناجمة لو اتبعت الولايات المتحدة ثلاثة سيناريوهات (سياسات) مختلفة: ترك الفيروس يأخذ دورته، أو “تقليل الخسائر”، أو “القمع”.

السيناريو الأول

ماذا سيحدث لو لم تفعل الولايات المتحدة أي شيء على الإطلاق لاحتواء انتشار الفيروس، وتعاملنا معه باعتباره انفلونزا عادية ومارسنا حياتنا اليومية بطريقة طبيعية وتركنا الفيروس يأخذ دورته الكاملة في نشر العدوى؟

1. إليكم ما سيحدث: 80% من الأمريكيين سيصابون بالعدوى. 0.9% منهم سيتعرضون للوفاة. من بين 4 إلى 8% من كل الأمريكيين الذين تتخطى أعمارهم 70 عاما سيموتون. 2.2 مليون أمريكي سيموتون بفعل تأثير الفيروس نفسه (وليس أي مضاعفات لأمراض أخرى).

2. هذا ليس كل شيء، خذ الأسوأ. الناس الذين تدهورت حالاتهم نتيجة الإصابة بكوفيد-19 يحتاجون أجهزة تنفس صناعي. 50% من المصابين الذين سيتم وضعهم على أجهزة التنفس الصناعي سيموتون. وإذا ترك الفيروس دون مقاومة ستصل الحاجة إلى أجهزة التنفس الصناعي إلى 30 ضعف عدد الأجهزة المتاحة الآن في الولايات المتحدة. ورغم ذلك قرابة 100% من هؤلاء المرضى سيموتون.

3. إذن العدد الفعلي للمرضى المتوقع وفاتهم في الولايات المتحدة سيصل إلى قرابة 4 مليون شخص في فترة لن تتجاوز 3 أشهر. 8-15% من الأمريكيين فوق سن 70 عاما متوقع أن يموتوا أيضا.

4. الأمريكيون يشكلون 4.4% من حجم سكان الكرة الأرضية. اذا طبقنا هذه النتائج على باقي سكان العالم (هذا يبقى في دائرة الاحتمالات والتخمين) سيصل عدد الموتى إلى 90 مليونا في فترة من 3-6 أشهر. هذا العدد من القتلى يساوي 15 هولوكوست، وأكثر من عدد كل القتلى خلال الحرب العالمية الثانية بمقدار مرة ونصف.

السيناريو الثاني

5. طبعا لن تقف الدول مكتوفة الأيدي وتكتفي بعدم فعل أي شيء لإيقاف انتشار الفيروس. هذا يقودنا إلى السيناريو الثاني. فريق امبيريال كوليدج كرر العملية الحسابية مرة أخرى، لكن هذه المرة مع افتراض أن الحكومات ستطبق استراتيجية “تقليل الخسائر”. هذا يتضمن: عزل كل المصابين بأعراض كورونا في امريكا وأيضا عزل عائلاتهم. كل من يتخطى 70 عاما يتجنب أي اختلاط مع الآخرين.

6. استراتيجية “تقليل الخسائر” هي ملخص الحديث الذي تردد كثيرا مؤخرا عن “تسطيح منحنى” صعود الفيروس: يعني محاولة ابطاء انتقال الفيروس للناس المعرضين أكثر من غيرهم لخطر الوفاة، حتى يتم تجنيب اغراق المستشفيات بعدد حالات أكثر من قدرتها على التحمل.

7. هذه الاستراتيجية قادرة فعلا على “تسطيح المنحنى” لكن ليس بدرجة كافية. عدد حالات الوفاة سيتراجع في هذه الحالة إلى النصف مقارنة بالسيناريو الأول، لكن مازال 1.1 مليون أمريكي متوقع أن يموتوا. الحاجة إلى أجهزة التنفس الصناعي في لحظات الذروة ستتراجع مقارنة بالسيناريو الأول بمقدار الثلثين، مع ذلك الحالات المصابة ستحتاج إلى عدد أجهزة تنفس يفوق قدرة الولايات المتحدة بمقدار 8 أضعاف.

8. هذا السيناريو يجعل عدد المتوقع وفاتهم في الولايات المتحدة 2 مليون شخص، بينما سيتوفي 45 مليون في جميع أنحاء العالم. هذا ما سيحدث لو اعتمدنا فقط على استراتيجية ابطاء انتشار الفيروس بأدوات منطقية وتدريجية.

السيناريو الثالث

9. طيب، ماذا سيحدث لو تم تبني استراتيجية تقوم على قمع انتشار الفيروس (كالصين مثلا). فريق امبيريال كوليدج قام بحساب الأرقام مرة أخرى وفقا لاستراتيجية “القمع”: هذا يتضمن عزل المرضى الذين ظهر عليهم أعراض المرض وعزل عائلاتهم أيضا. تجنب الاختلاط بالاخرين لا يشمل كبار السن فقط لكن كل السكان، ويتم منع كل أشكال التجمعات وغلق معظم أماكن العمل في البلاد، إلى جانب غلق المدارس والجامعات.

10. “القمع” يبدو فعالا. الولايات المتحدة ستصل في هذه الحالة إلى الذروة في عدد حالات الوفاة خلال 3 أسابيع من الآن، بعد ذلك يبدأ هذا العدد في التراجع. عدد أجهزة التنفس الصناعي بالكاد ستكفي عدد حالات الإصابات التي تحتاج إليها، ولن يتخطى ذلك إمكانيات الدولة. سيختفي كابوس أعداد المتوفين الظاهر في السيناريوهين الأول والثاني.

11. لكن هناك معضلة: لو خففنا استراتيجية “قمع” الفيروس قبل اختراع لقاح فعال لعلاج الفيروس ويكفي لكل السكان، كوفيد-19 سيعود بقوة ويقتل الملايين من الأمريكيين (وهذا ينطبق على سكان الدول الأخرى) خلال اشهر قليلة، تماما مثلما حدث بالتزامن مع ظهوره.

12. بعد انتهاء المرحلة الأولى من “قمع” الفيروس في يوليو المقبل، من الممكن ان يتم تخفيف هذه الإجراءات القاسية لمدة شهر واحد، بحيث يتم اعادة تطبيقها مرة أخرى لمدة شهرين متعاقبين، وهكذا يتم تطبيق هذه الخطة بشكل متكرر (تخفيف لشهر، وعودة القمع لشهرين) وهو ما سيمنع حدوث موجة اخرى قوية لانتشار الفيروس، وسيساعد في التأكد من أن أجهزة التنفس الصناعي المتوفرة كافية لكل المرضى. من الممكن أيضا لكل مدينة على حدة أن تمنح السكان راحة من العزل من وقت لاخر حسب ظروفها.

13. لكن في كل الحالات لا يمكن إطلاقا أن نسمح للفيروس بالانتشار ومعاملته كأي فيروس خفيف آخر (السيناريو الأول) لأنه قاتل وبمعدلات عالية. لو انتقلت عدوى الفيروس لعدد كبير من الناس الذين نعرفهم هذا يعني أن الملايين سيموتون.

14. إذن، كم سيستغرق الوقت لكي نحصل على لقاح فعال لعلاج الفيروس؟ الإسبوع الماضي أعلنت 3 فرق بحثية منفصلة أنهم توصلوا للقاح. منذ يومين، أحد هذه الفرق أجرى تجربة حقن للقاح على شخص على قيد الحياة دون انتظار تجربته أولا على الحيوانات. هذه خطوة تبدو خطيرة جدا، لكنها ضرورية.

15. ماذا يفترض أن يحدث الآن؟ عليهم أن يراقبوا عن قرب الشخص الذي تم اختبار اللقاح عليه لمدة 14 شهرا للتأكد من أن هذا اللقاح آمن. لا يمكن الاستعجال في هذه الخطوة: لو كنت تخطط لحقن كل البشر بلقاح ما فعليك أولا التأكد 100% أن اللقاح نفسه لن يقتلهم. غالبا لن يحدث ذلك، لكن في كل الأحوال عليك أن تتأكد.

16. بعد التجربة لنفترض أن اللقاح اثبت انه آمن وفعال، مازالت هناك حاجة لأشهر كي يتم انتاجه بكميات تسمح بحقن كل سكان الأرض لإكسابهم مناعة. فريق امبيريال كوليدج قدر هذه المدة بـ18 شهرا من الآن حتى يكون اللقاح متوفرا بهذه الكمية.

17. خلال الـ18 شهرا سنواجه الكثير من الصعوبات والخوف. اقتصادنا والحياة في مجتمعنا ستتعطل بشكل غير مسبوق. الكثيريون سيعترضون على هذه الإجراءات مع مرور الوقت لانهم سيشعرون ان كل هذه القسوة بلا سبب بما ان عدد الإصابات والوفيات سيظل منخفضا، وبناء على ذلك سيطالبون برفع القيود.

18. من السهل أن تقنع الناس بالتوحد لمواجهة خطر ما في أوقات الحروب، لكن من الصعب أن تقنعهم بفعل الشيء نفسه في أوقات انتشار الأوبئة التي لا تبدو مرئية لهم، خصوصا لو نجحت استراتيجية “القمع” في تقليل عدد الوفيات. لكن يبدو أنه ليس لدينا أي خيارات أخرى، وأن هذا بالضبط ما سيكون علينا فعله في الأيام المقبلة.

https://www.imperial.ac.uk/media/imperial-college/medicine/sph/ide/gida-fellowships/Imperial-College-COVID19-NPI-modelling-16-03-2020.pdf?fbclid=IwAR1KXXi808y-UpWo1FKUf83zGv4PVm_KXLh7212D-feJ6NMBBBubEQAAr2k

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق