رأي

خارج الحرملك

بقلم: جمال الزائدي

شيء ما يجعل الجميلات أكثر قسوة من الرجال القادة والزعماء والطغاة ..حين ينجحن في تجاوز عتبات الحرملك وغرف النوم ليدخلن قاعات الحكم حيث تصنع أقدار الأمم والشعوب ..
تحفل سرديات التاريخ بأسماء نسوية ذات بريق مرعب .. كليوباترا وقصة حبها لماركوس انطونيوس والنهاية المأساوية التي آل إليها كلاهما .. ست الملك وما فعلته بأخيها الحاكم بأمر الله ..شجرة الدر ومناوراتها ومؤامراتها التي مكنتها من الحفاظ على نفوذها وسط بيئة تموج بالصراعات والتشظي..جان دارك الفلاحة الفرنسية الملهمة التي قادت جيش بلادها إلى النصر في معارك عدة خلال حرب المائة عام .. كثيرات يصعب حصرهن في عجالة كهذه ملأن صفحات مهمة من سير مجتمعاتهن ..ومع ذلك تظل أكثرهن إثارة للانتباه والفضول في تاريخنا المعاصر سيدة ألمانية عرفت باسم ” ماغدا غوبلز ” زوجة وزير دعاية الرايخ الثالث والتي عرفت بأنها سيدة ألمانيا الأولى غير المعلنة بسبب مكانتها البارزة في الحزب وما أشيع عن إعجاب الفوهرر بها ..وهي كما تبدو في مئات الصور التي أخذت لها ، سيدة في غاية الجمال تمتلك عينين تضجان بأنوثة حارة وعاطفة مشبوبة كما أن لها حضورا شخصيا يطغى أحيانا على حضور زوجها وعشيقها المحتمل في الصور التي جمعتها بهما ..
كان يمكن لماغدا ان تكون ممثلة مشهورة او عارضة ازياء او نجمة استعراض او حتى سيدة مجتمع عادية ..لكن شغفا ما رسم لحياتها مسارا مختلفا.. وهذا الشغف الذي أوصلها للوقوف الى جانب الشخصية الاكثر جدلا في القرن العشرين ، لايمكن ان يكون صيغة مرادفة للصدفة العمياء ..لقد كان وراء كل تلك الانوثة الملتهبة والنظرات المستعرة والامومة الفائضة بالرحمة والعطف والحنان ..يقف سفاح قادر على القتل وارتكاب الفضاعات الوحشية دون ان يرف له جفن ..
في العام 1945 م انهارت كل الجبهات الالمانية امام زحف الحلفاء من الشرق والغرب وشهدت الأيام الأخيرة التي سبقت سقوط العاصمة الألمانية برلين في يد جنود الاتحاد السوفياتي العديد من عمليات الإنتحار في صفوف القادة الالمان الذين اختاروا الموت على الوقوع أحياء في قبضة جيوش الاحتلال.
وكقائدها وعشيقها المحتمل أدولف هتلر الذي لجأ للإنتحار اواخر أبريل من ذات العام رفقة عشيقته إيفا براون التي تزوجها قبل يوم واحد من موته، اتجهت ” ماغدا”وزوجها الوزير غوبلز لإنهاء وجود عائلتهما عن طريق قتل أبنائهما ووضع حد لحياتهما.
اصطحب الزوجان غوبلز أبناءهم الستة نحو ملجأ الفوهرر ببرلين لمرافقته في أيامه الأخيرة. فضلا عن ذلك، وضعا خطة لقتل أبنائهما خلال الفترة التي ستلي انتحار أدولف هتلر حيث أكدت ماغدا ، للعديد من المقربين منها وعلى رأسهم وزير التصنيع الحربي ألبرت شبير أنها لا ترغب في أن يعيش أطفالها في عالم يخلو من عمهم هتلر والنازية..
من وجهة نظر هذه المرأة الأم والزوجة والعشيقة والقيادية في الحزب النازي ان العالم بلا هتلر وبلا مجد الرايخ الثالث لايستحق ان يعيش فيه اطفالها ..
هذه المرأة لا تستطيع أن تحبها لكن لا يمكنك إلا أن تحترم جنونها ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق