رأياخبار مميزه

ماذا بعد اتخاذ تركيا القرار بشأن إرسال قواتها إلى ليبيا؟

تورغوت أوغلو

مَن يفكر كثيراً في العواقب لن يصبح بطلاً”… مقولة تفوّه بها نائب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرجل الثاني في الحكم في تركيا، فؤاد أُوقطاي، في معرض رده على سؤال حول الشأن الليبي.

وبالفعل، اتخذ البرلمان التركي بعد ذلك بيوم واحد قراراً بشأن إرسال قوات تركية إلى ليبيا، حيث صوّت “حزب الحركة” القومي إلى جانب “حزب العدالة والتنمية” الحاكم لمصلحة المذكرة الرئاسية التي تسمح بإرسال قوات عسكرية إلى الخارج.

وتمّت الإشارة في المذكرة التي وافقت عليها غالبية النواب إلى الأهداف التالية:

-اتخاذ التدابير اللازمة ضد كل التهديدات التي يمكن أن تطال المصالح الوطنية.

-صد الهجمات/ الاعتداءات التي تقوم بها “المجموعات غير الشرعية” في ليبيا ضد مصالح الدولة التركية.

-اتخاذ تدابير ضد مخاطر مثل الهجرة الجماعية.

– تقديم المساعدات الإنسانية للشعب الليبي.

ولربما يتوقعون منا أن نصدق ما يقولون. نعم كان محتملاً أن يكون مثل هذا مقنعاً إلى حدٍ ما في القضية السورية التي كانت جارة لتركيا وتتشاطر معها حدوداً بطول 900 كيلومتر تقريباً، ما يعطي تركيا الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة.

أما بالنسبة إلى ليبيا فهي بعيدة عن تركيا وتفصل بينهما مسافة كبيرة وبحر واسع، فما هو التهديد الذي تتوجس منه تركيا؟

وعلى افتراض أن تكون حكومة أردوغان مَعنية بالحل، أليس من اللازم أن تتمسك بالحل الدبلوماسي وتبادر إلى اعتماد الطرق السلمية ومناقشة القضية على طاولة المفاوضات.

هناك أطراف أخرى مهتمة بالقضية، من أميركا إلى روسيا، ومن فرنسا إلى إيطاليا، لكنهم ينأون بأنفسهم عن الخوض في الحرب الأهلية مباشرةً. وإذا كانت حكومة أردوغان قررت أن تخوض غمار الحرب بهذه الطريقة، يتساءل المرء

“هل أنت (أردوغان) أذكى الناس وأدراهم بشؤون الحرب؟” هذه هي نهاية المطاف مع عقلية رجال الإسلام السياسي.

هذا هو الواقع المرير، سياسة خارجية فاقدة الاستراتيجية، هائمة بلاوعي في البحث عن بطولات وهمية.

وإذا لم تتخل حكومة أردوغان عن المغامرة بإرسال القوات التركية إلى ليبيا فستكون لذلك عواقب وخيمة وتكاليف باهظة تقع على كاهل الشعب التركي، ويبدو أن أردوغان سيتغاضى عن التحذيرات الدولية، ويتحرك لصب الزيت على النار المشتعلة في ليبيا.

فكيف ستكون العملية؟

وفقاً للقرار المذكور، سيتم تحديد فرقة الجيش التي سيتم إرسالها، ومدة إقامتها هناك، والمهمات التي ستنفذها، والتي يُحتمل أن تكون في البداية عبارة عن تدريب القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية.

وفي حال غياب إجماع رادع من المجتمع الدولي، يُتوقَع أن تتخذ حكومة حزب العدالة والتنمية قراراً بإرسال قواتٍ مقاتلة أيضاً. كما أنه ليس مستبعداً إرسال مسلحين مما يسمى بـ “الجيش الوطني السوري” (وهم في الحقيقة كانوا في صفوف داعش) إلى ليبيا.

فماذا عن التأثيرات المتوقعة لمغامرة أردوغان على هذه المنطقة؟

أولاً، سيتم إفساح المجال أمام داعش وسائر المنظمات الإرهابية التي ضاقت بها الأرض في الساحة الليبية، مما يعطيها الفرصة لِلَمْلَمَة شملها وبالتالي تمديد أعمارها.

كما أن من شأن هذه الخطوة أن تعرِّض علاقات تركيا بدول المنطقة للخطر وتزيد من حدة التوتر بين تركيا وبين كل من مصر والإمارات والجزائر والسعودية، وتؤدي إلى نشوب أزمة جديدة بين أنقرة وموسكو، وربما يخضع أردوغان لضغوط بوتين كما شاهدناه أخيراً في الشأن السوري.

والأدهى والأمرُ من ذلك، هو أن تتموضع تلك الجماعات الإرهابية على الأراضي الليبية ولا تعود من حيث أتت، وتشكِّل بالتالي خطراً على مصر والجزائر بالدرجة الأولى، بمعنى أنه حتى لو تم التوصل إلى صيغة توافق على الأراضي الليبية وانسحبت القوات التركية، فهل ستعود تلك الجماعات المسلحة إلى بلدانها، أم ستشكِّل بؤراً ينطلق منها الفكر المتطرف إلى دول الجوار ما يمهد لجماعات متطرفة/ انفصالية تقوم بعمليات إرهابية أخرى.

صحيح أن مجرد التفكير بهذا الأمر مزعج، ولكنه واقع مرير، بل إنك تكاد تجد في صفوف جماعات الإسلام السياسي أعداداً كبيرة من الذين يبررون أفعال هؤلاء وعلى رأسهم حزب العدالة والتنمية “الأردوغاني” ومَن يسير على خطاه في البلدان العربية كجماعة الإخوان وغيرها من الذين وقعوا في هذا المستنقع الفكري.

وفي عام 2011 كان أردوغان وحكومته يحلمون بصلاة الجمعة في الجامع الأموي بدمشق في غضون أسبوعين من التظاهرات التي اندلعت في سوريا ضد بشار الأسد، وها هي 9 سنوات مرت وما زلنا ننتظر منهم الوفاء بوعدهم الكاذب.

وإذا كانوا يحلُمون هذه المرة أيضاً بمثل ذلك في ليبيا، فليعلموا أن المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، وأن الجماهير لم يعودوا يصدقونهم لا سيما أذنابهم من الأغرار.

ويبدو أن أردوغان لم يتعلم الدرس جيداً في سوريا وفقدَ بسبب ذلك أصدقاء كثراً، وإذا كان يهدف إلى حماية المصالح الوطنية في شرق المتوسط فليعلم أن سبيله الوحيد إلى ذلك هو العمل على تقليل عدد الأعداء والبحثُ عن مزيد من الأصدقاء، وإلا فما الفائدة من خوض حرب على أرض لا يمكننا حمايتها من الجو ويصعب الوصول إليها من البحر، ما من شأنه أن يجلب لتركيا متاعب على المدى البعيد. وبمجرد الخوض في هذه المعركة سيتحول هذا الهاجس إلى واقع لا يمكن الفرار عنه.

ولا ننسى أن النجاح النسبي الذي تم التوصل إليه من خلال الاتفاق مع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين، لم يحظ بالقبول لدى المجتمع التركي. لذلك يشعر أردوغان بالحاجة إلى “نجاحات” مدوية تشبع نهمه في طريقه نحو تحقيق “الخلافة الإسلامية”، لكنه إذا كان يرى في ليبيا ساحةً ملائمة لتحقيق هذه الأحلام فإننا نود إبلاغه بأن ذلك بعيد المنال وأن نتائجه ستكون أثقل مما جرى في سوريا. وستبدي له الأيام أن اللاعبين الآخرين في ليبيا لن يسمحوا له بذلك.

وأود أن أنهي مقالي بالمثل الشهير الذي استخدمته في إحدى مقالاتي السابقة، “بإمكانك أن تشعل النار والحرب، ولكن لن يكون بيدك إطفاؤهما”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق